الجمعة، 24 فبراير 2012

سوق القيصرية يحكي براعةً معمارية وحكمة اقتصادية




سوق القيصرية، تصوير: سلام الانصاري

المار بها كغيرها من الأسواق الشعبية في أي بقعة من بقاع الأرض لن يتصور بأنها تحمل في ثنايا جدران أبنيتها تاريخاً كبيراً يحكي براعةً معمارية وحكمة اقتصادية وألغازا فلكية نادرة، هكذا يبدوا سوق القيصرية في كركوك الواقع على الضفة الشرقية من نهر الخاسة.

يقف هذا السوق التراثي بشموخ ليقاسم سكان هذه المدينة العريقة منذ أكثر من 170 عاما حياتهم اليومية ولتتحول بمرور الزمن  إلى ابرزِ رمزٍ للتعايش السلمي بين قوميات كركوك.
يقع “سوق القيصرية” على بعد عشرة أمتار إلى الجهة الجنوبية الشرقية من ” قلعة كركوك”، وقد شُيد السوق كمركز تجاري لتسهيل عمليات البيع والشراء لسكان القلعة بعد أن كثرة أعدادهم لبعدها في تلك الفترة عن مركز المدينة، وقد استقطب السوق أرباب الحرف المختلفة، وقد تم إنشاء السوق على مقربة من بوابة (السبع بنات) وهي إحدى بوابات قلعة كركوك.
يقول المواطن محمد أغا ( 63 عاما) أن “سوق القيصرية هو عبارة عن مركز تجاري تقليدي يعكس في ذات الوقت العادات والتقاليد التي يتميز بها أهالي مدينة كركوك، فهذا السوق معروف منذ القدم ببضائعه النادرة ويقصده الحرفيون من مختلف المحافظات العراقية”.
“إنا شاب واجد كل احتياجاتي في هذا السوق ولكن هنالك مشكلة واحدة تظهر في هذا السوق خاصة في أيام الأعياد  وهي الزحامات الشديدة التي تنتاب هذا السوق بشكل يعيق حركة المتسوقين”، هذا ماقاله ستار سعد (22عاما).
ويتميز سوق القيصرية كباقي الأبنية التاريخية والتراثية في كركوك معماريا بأقبيته وأقواسه وعقوده وزخارفه، ومن ابرز خصائص قبة هذا السوق تخفيف القوى الضاغطة على الجدران وبالتالي على أساس البناء.
يضيف ناظم سالم(45 عاما) صاحب محل في السوق، “لدي محل في سوق القيصرية واعمل كبزاز في بيع الأقمشة ويتميزهذا السوق ببضائع محلية الصنع وبضائع مستوردة ولدينا زبائن من كلا الجنسين، ومحلاتنا هنا دائما تعج بالناس من جميع الأعمار والفئات”.
وتعلو سطح القيصرية قبب مسطحة في منتصف كل منها فتحة سقفية لأغراض الإضاءة والتهوية، أما الأقواس التي تزين مداخل السوق ودكاكينه فهي من الجص أو من الرخام المدبب، وأبنية السوق وواجهاتها ملئ بالزخارف التجميلية والرسوم والأفاريز، أما المداخل فهي مُؤطرة بأُطر رخامية مزخرفة .

المواطننون اثناء التجوال في السوق، تصوير: سلام الانصاري
أم رباب (48عاما ) احدى رواد هذا السوق تقول” أنا ارتاد هذا السوق منذ أكثرمن 15 عاما حيث أجد كل احتياجات ومتطلبات الحياة العامة، ففي سوق القيصرية تتوفر الأشياء التي قلما نجدها في المولات والمحال التجارية الأخرى في مركز المدينة  مثل  الكاروك(سرير الأطفال الهزاز) وبعض الأعشاب الطبية والغذائية وأنواع من الأقمشة وغيرها من المستلزمات المنزلية، بالإضافة إلى أن أسعار جميع السلع في هذا السوق اقل بشكلٍ ملحوظ عن باقي الأسواق”.

وشيدت أبنية هذا السوق في فترة الحكم العثماني للعراق، ويتكون (360 ) دكان ترمز الى أيام السنة، والشقق (12) المبنية فوق الدكاكين ترمز إلى عدد أشهر السنة، و ثمة (24) ممرا ترمز إلى عدد ساعات الليل والنهار.كما أن مداخل سوق القيصرية السبعة تدل على عدد أيام الأسبوع.

يذكر أن أبنية سوق القيصرية مشيدة من الحجر و الجص حيث كانت هذه المواد الإنشائية هي المتداولة آنذاك في عموم المعمورة, وقد بنيت القيصرية في 1855 م أثناء حكم العثمانيين، وأعيد ترميمها عام 1978 م.

من جهتة اوضح مدير أثار كركوك أياد طارق أن “هذا السوق تأثير كبير جدا  لازدهار الحركة التجارية في محافظة كركوك بسبب قدم هذا السوق ووقوعه في مركز المدينة”.

وإشار إلى أن هناك إدامة وترميمات مستمرة لسوق القيصرية مع جباية مبلغ مالي من أصحاب المحال التجارية كإيجار قيمته ُ(50) الف دينارسنوياً، “وتودع هذه الأموال في الهيئة ألعامه للآثار والطرق في بغداد بصكوك تُدفع من قبل المستأجرين”.

وقال طارق “قمنا بترميمات واسعة  لأسطح مباني سوق القيصرية ووضعنا الاشتايكر والماستك، وزودنا المحلات أبواب حديديه للحفاظ عليها من السرقة، وقمنا بنصب مظلة كبيرة من الحديد والصفيح المضلع في الواجهة الأمامي للسوق لكي لاتؤثر الإمطار على المجلات في فصل الشتاء، وكذلك تم تنصيب مظلات داخلية لتجنيب المتسوقين والمارة أشعة الشمس الحارقة في فصل الصيف”.

ولفت الى أن إخلاء سوق القيصرية من المستأجرين لن يجعل هذا السوق كمرفق سياحي، لان هذا السوق يعتبر من المراكز التجارية المهمة في محافظة كركوك, وأنه سوق تراثي وهو مصدر للسياحة المحلية من كافة المحافظات العراقية.

بعض اصحاب المحلات  يشكون من ان السوق يفقر الى اهم المقومات التي تساعد على استمرار الحياة فيه وهي الكهرباء.

يبين جميل محمد (48 عاما) صاحب محل “يفتقر سوقنا هذا إلى أمور عديدة من أهمها الكهرباء لذا أناشد بتوفير الكهرباء لهذا السوق الذي يعد من معالم تاريخية لمحافظة كركوك فلا بد من الحكومة المحلية لمحافظة كركوك الاهتمام الشديد بأسواقنا الشعبية”.

وأثبتت تنقيبات ودراسات االمختصين بالاثار أن كركوك تضم في ثناياها وأقضيتها ونواحيها ( 550 ) موقعا و مستوطنا اثريا وما يقرب من هذا العدد من تلال تضم في مكنوناتها آثارا غير مكتشفة بعد تنتظر من يرفع عنها ركام الزمن الغابر.

وثمة مواقع تراثية في الأحياء الشعبية في مدينة كركوك وأزقتها القديمة ، و بيوت ذات طراز معماري فريد، و مرافق تراثية تنتظر بفارغ الصبر يد الاهتمام و الصيانة و الرعاية لحمايتها من التخريب و الهدم لتعيش من جديد، تحت شمس الحياة الساطعة،بحسب ما اكد المختصين.


تقرير - سلام الأنصاري 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق